ابراهيم بن عمر البقاعي
377
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
القضية لتدريب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الصبر على قومه ، والثاني فإن هذه السورة على ما روي عن جابر بن زيد من أوائل ما أنزل بمكة ، وعلى هذا دل الحديث السابق عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في شكوى المشركين منه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عمه أبي طالب الوقوع في آلهتهم فإنه كان في أوائل الأمر ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أول ما دعاهم لم يؤمر بذكر آلهتهم فلم يجيبوه ولم يبعدوا عنه كل البعد ، ثم أمره اللّه بذكر آلهتهم فناكروه حينئذ وباعدوه ، وتقدموا ذلك بالشكوى إلى أبي طالب مرة بعد أخرى ليرده عنه ، فكانت هذه الدعوى تدريبا لداود عليه السّلام في الأحكام ، وذكرها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تدريبا له على الأناة في جميع أموره على الدوام . ولما كان ذكر هذا ربما أوهم شيئا في مقامه صلّى اللّه عليه وسلّم ، سيق في أسلوب التأكيد قوله : وَإِنَّ لَهُ أي مع الغفران ، وعظم ذلك بمظهر العظمة لأن ما ينسب إلى العظيم لا يكون إلا عظيما فقال : عِنْدَنا وزاد في إظهار الاهتمام بذلك نفيا لذلك الذي ربما توهم ، فأكد قوله : لَزُلْفى أي قربة عظيمة ثابتة بعد المغفرة وَحُسْنَ مَآبٍ * أي مرجع في كل ما يؤمل من الخير ، وفوق ذلك فهذا معلم ولا بد بأن هذه القضية لم يجر إلى ذكرها إلا الترقية في رتب الكمال لا غير ذلك ، وأدل دليل على ما ذكرته - أن هذه الفتنة إنما هي بالتدريب في الحكم لا بامرأة ولا غيرها وأن ما ذكروه من قصة المرأة باطل وإن اشتهر ، فكم من باطل مشهور ومذكور هو عين الزور - قوله تعالى عقبها على هيئة الاستثمار منها صارفا القول عن مظهر العظمة إلى المواجهة بلذيذ الخطاب ، على نحو ما يجري بين الأحباب يا داوُدُ . ولما كان مضمون الخبر لزيادة عظمة مما من شأنه أن تستنكره نفوس البشر ، أكده لذلك وإظهارا لأنه مما يرغب فيه لحسنه وجميل أثره وينشط غاية النشاط لذكره فقال : إِنَّا أي على ما لنا من العظمة جَعَلْناكَ فلا تحسب لشيء من أسبابه حسابا ولا تخش له عاقبة خَلِيفَةً أي من قبلنا تنفذ أوامرنا في عبادنا فحكمك حكمنا ، وحذف ما يعلم أنه مراد من نحو قُلْنا * إشارة إلى أنه استقبل بهذا الكلام الألذ عند فراغه من السجود إعلاما بصدق ظنه ، وقال : فِي الْأَرْضِ أي كلها إشارة إلى إطلاق أمره في جميعها ، فلا جناح عليه فيما فعل في أي بلد أرادها ، ولم يذكر المخلوف تعظيما له بالإشارة إلى أن كل ما جوزه العقل فيه فهو كذلك فهو كان خليفة في بيت المقدس بالفعل على ما اقتضاه صريح الكلام بالتعبير بفي ، وأشار الإطلاق والتعبير بآل إلى أنها الأرض الكاملة لانبساط الحق منها بإبراهيم عليه السّلام وذريته على سائر الأرض وهو خليفة في جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم به فيها صح ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يرسل إلى قومه خاصة فيكون ما يؤديه إليه واجبا عليه ، وأما بقية الناس فأمره معهم